Normal
0
21
false
false
false
FR
X-NONE
X-NONE
/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:”Tableau Normal”;
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-priority:99;
mso-style-qformat:yes;
mso-style-parent:”";
mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt;
mso-para-margin-top:0cm;
mso-para-margin-right:0cm;
mso-para-margin-bottom:10.0pt;
mso-para-margin-left:0cm;
line-height:115%;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:11.0pt;
font-family:”Calibri”,”sans-serif”;
mso-ascii-font-family:Calibri;
mso-ascii-theme-font:minor-latin;
mso-hansi-font-family:Calibri;
mso-hansi-theme-font:minor-latin;
mso-fareast-language:EN-US;}
زوايا
أربعة أيام في سوريا :
العبور إلى الشام
"أريدُ قليلاً من الصمت كي أستطيع الصلاة
ويا قاتلي… بطعنتك الغائرة
يا قاتلي عارياً، لا سلاح بكفِّي
ولا صديقْ
يُرافِقُني نحو رقدتي الأخيرة..
سواكَ وخنجرك المُستقيم بحنجرتي … كالحريقْ
تمهل … أري بين عينيك شكّاً
وصمتاً ورعباً كرعب الغريقْ"
صلاح الوديع(شاعر مغربي)
· حدوس ساخنة
وأنا أصعد سلم طائرة العودة من مطار حلب ، قُبيل فجر يوم الخميس عاشر دسمبر، في الساعة الثالثة والربع ، حيث ملائكة الرحمان في ذلك الليل البهيم، النديِّ بنُعاسٍ لذيذ، تُعيد ترتيب العالم ليوم جديد .تعمَّدتُ البقاء متأخرا عن كل ركاب هذه الرحلة ونحن ننزلُ من الحافلة أمام الأدراج الحديدية المؤدية لباب دخول الطائرة التركية الايرباس ، جميعهم في استعجال للولوج إلى أماكنهم الدافئة، ربما خوفا من تلك الخطوط المطرية الخفيفة ، العربية الطعم ، لا طيعة ولا حرون ، وإنما رخية حنون ، مُسبلة في رحابة محسوسة .
تخلفتُ عمدا لغرض في نفسي التي لم يتبق فيها شيء سوى الأحاسيس المشتعلة، وأنا أرمي برجلي اليمنى على الدرج الأول . لم يكن متبقيا أمامي في الدرج الخامس سوى رجل في حوالي الخمسين من عمره ، يبدو مثل مهندس أو فنان ، منشغل في حبور الأطفال، بابنته ذات السنوات الخمس .. تمشي الهوينى حاملة بين يديها فرسا من حرير أسود وأزرق، عليه دوائر بيضاء .
سهوتُ في النظر إليها وأنا أشعر بالرذاذ الممتع ، بوجهها الطفولي الناضج والضاجُّ بنورانية ارستقراطية كأنها حبة مطر طاهرة نزلت بيننا حية تمشي . لمحني والدها فابتسم ..آنذاك تخليتُ عن المشهد ، دون أن أُشيحَ عنه خاطري ، حينما فاض بداخلي مشهد أقوى وأبعد .
في الدرج السادس، لم يتبق خارج الطائرة سِوايَ والأب الرحيم وابنته. فيما في الأعلى ، ربان ومضيفة ينتظران أمام المدخل ، وقد كمشا بين فكيهما على ابتسامة مفترضة ورقمية ، سيرميان بها إلينا من تَعَوُّد واجب .لكنني توقفتُ، وكان الأب قد توقف بدوره منتظرا صغيرته التي لا تبتعد عنى سوى بدرجين، تُجرب جعل فرسها يقفز الحواجز.
توقفتُ ملتفتا خلفي ،لثانيتين أو أكثر بقليل ، إلى السماء . هناك، بعيدا أبحثُ بداخلها متسربا ، في خفة طفولية بين حبات المطر الزلالية ،عن الملائكة التي تُدونُ على صفحات السماء أيامنا الجميلة بلغات رقيقة وطافحة بالمشاعر الجليلة .
وفي الثانيتين أو أقل بقليل ،أحدق أفقيا، كمن يرى كل بلاد الشام لآخر مرة .إحساس آلمني كوني متأكد بأني لن أعود إلى سوريا أبدا بعد خطوات فقط تفصلني عن باب الطائرة.ومردُّ هذا الشعور أني رأيت ُ هناك ، في اليوم الثاني من وصولي ،حلما – مكتمل الشروط- رأيتُني مجتمعا بعدد من الأصدقاء السوريين الأكراد والأتراك وجرت بيننا حوارات ، كما زرتُ الشام/دمشق وفاوضتُ الأمويين . ورأيتُني في مكان يسمى بالشاوية ثم الرصافة أعيد بناء مُلكي ومسجدي الذي أرى منه عهودي ،وأهشُّ فيه على وَرَعِي وتقوايَ.
في آخر الحلم ، وكان مشهدا سريعا وعنيفا ، جماعة من العساكر يتقدمهم ضابط مثقل بالنياشين ..يأخذونني إلى بهو بارد وطويل ، ثم شرعوا في استنطاقي وسط ظروف مُذلة ؛بعد ذلك صلبوني رغم أني مسلم كامل الإسلام.
أنا أثق في أحلامي المتضمنة لعلامات وإشارات مرتبطة بالسياقات النهارية والأحداث التي أعيشها …إنها جزء من حدوسي السرية ، والتي يبقى تأويلها عندي وعند غيري يسيرا وفي المتناول .
عدتُ أرمي خطواتي الأخيرة في بلاد الشام العزيزة وقد شعرتُ بسخونة جياشة في صدري وامتلاء حار في عينيَّ بالدمع العصي وصوت الأب يصلني واضحا وهو يدعو ابنته "شين"- كما ناداها أول مرة - إلى الإسراع .
· ظلام فوق السحاب
كانت هذه المرة الثانية التي أسافر فيها إلى سوريا بعد تعذر ذهابي لمرات أخريات .
وقد دُعيتُ رفقة الروائي الميلودي شغموم من المغرب إلى ملتقى الرواية بمدينة الرقة ، حيث استغرق سفرنا من كازبلانكا إلى استامبول نحو أربع ساعات ونصف قبل أن نعْبُر نحو طائرة أخرى أقلَّتنا في ساعتين إلى حلب ، ومنها أخذتنا سيارة إلى مدينة الرقة في ساعتين أيضا .
نزلنا فندق اللازورد بوسط المدينة في فجر يوم الأحد سادس دسمبر ، وكان مزاجي متعكرا جرَّاء التعب والجو البارد الذي استقبلنا به مناخ البلد .وفي الصباح توجهتُ نحو عامل الاستقبالات، وهو رجل لطيف يسمع كثيرا ويتكلم قليلا ،طلبتُ منه تغيير الغرفة بأخرى ففعل ، وكانت بالطابق الرابع رقم 403 في ممر موحش وطويل ، مثل ذاك الذي رأيته في الحلم بعد ذلك خرجتُ وحيدا نحو وسط المدينة بشارعيْ 23 شباط وتل الأبيض .
تجولتُ مدة ليست بالقصيرة ، ثم جلستُ بإحدى المقاهي لفترة قبل أن أدخل إلى محل تجاري للاتصالات لشراء شريحة ذات خط سوري .
جلستُ منتظرا صاحب المحل وهو يستفسر عبر الهاتف ، شخصا أمنيا . ولما أخذ منه الموافقة طلب مني جواز سفري الذي نسخ منه الصفحات الست الأولى وصفحة خاتم تأشيرة الدخول ، كما طلب مني عنوان الفندق واسم أبي وأمي ،لاستكمال تعبئة استمارة الاشتراك وعوض أن يطلب مني التوقيع أمرني بالبصم ، فانتفضتُ ورفضتُ وأنا أنتزع منه جواز سفري ، ممزقا بطاقة المعلومات والنسخ ، لأني أرفض معاملتي مثل متهم أو مجرم يبصم لترصُّده في أية لحظة .
قبل وصولي الفندق رغبتُ في التأكد مرة أخرى، فدخلتُ محلا تجاريا آخر .أجرى صاحبه نفس الإجراءات ، وشرحتُ له في البداية بأنني لن أبصم فأنكر وبصم بسبابته بدلا مني .
***
في المساء تبددَ ضجري بعض الشيء وأنا ألتقي بأصدقائي من سوريا ومصر واليمن والسعودية .
يوم الاثنين، انطلقت أشغال المؤتمر ولم تنته إلا في حوالي الساعة العاشرة ليلا ، حيث ازداد ضجري ؛فالتحقنا مباشرة بمطعم الفندق ..وبقينا إلى غاية الساعة الواحدة والنصف صباحا في جلسة عائلية حميمية، ملتفين حول الأب المنقذ نبيل سليمان، مثل رهبان وفقهاء أو سحرة نستمع إلى الابتهالات العالية التي جعلت أرواحنا تتفتح وترى النور .
عدتُ إلى غرفتي عبر الممر الطويل والبارد ، وقد أحسست بمصالحة مع نفسي ،فسهرتُ لساعة أخرى كتبتُ فيها أزيد من عشر صفحات من " الرواية القصيرة" التي كنتُ بدأتُها في القاهرة، ثم أعدتُ قراءتها فلم أخلد إلى النوم إلا بعدما صارت صفحة واحدة، فقط، بخط يدي. إنه النص النائم بداخلي ،لا يصحو إلا وأنا بعيد عن أوطاني .
· رواية قصيرة :النص النائم (1)
كل إنسان يملك مِرآة رمزية يفك بها شفرات ما يسمع ويرى وما يفكر فيه ؛ ونفس المِرآة تصوغ له المعاني التي يُنتجها .أما مِرآتي فهي في مواصلة تدوين ما يهبط عليَّ من معانٍ عارية حول ما يقع الجبل ، فأراها قد انكسرت ، ورُبَّ ضارة نافعة .
كلنا يُحبُّ الجبل بطريقته ويُعبر عن ذلك بالصمت المُوارب أو بالطرق الأخرى المتاحة .
الليل بهيم وهادئ، حيث يقرر همَّام الخروج بعدما لبس جلبابا وطاقية سوداويين وركب سيارته الرباعية الدفع السوداء أيضا، ثم ضغط على زر من مفتاح أبيض انفتحت إثره البوابة الحديدية للمرأب فانتفض أربعة من الحراس الشداد الغلاظ واقفين أشار عليهم بالعودة إلى أماكنهم وخرج وحيدا في شكله المتخفي .
هبط نحو الشارع التحتاني يسوق سيارته بسرعة بطيئة في اتجاه الجهة الشرقية ..وكان وحيدا حينما انتهى إلى المقبرة الوحيدة المحاذية للبحر .رمقها بسرعة ثم رجع وهو ينظر بإمعان في المِرآة الداخلية للسيارة العاكسة للخلف ،فلم ير سوى الظلام والصمت والجو الموحش .
اتخذ طريقه هذه المرة غربا بنفس السير والتأمل إلى أن وصل أخيرا أمام كهوف عالية وقديمة ،سكنها الإنسان الأصلي، مستندة إلى غابة لا أحد يعرف منتهاها .
وسرعان ما بدأت تصل إلى سمعه أصوات متوترة، مصحوبة بأنين متقطع ،لم يتبين مصدرها .ومباشرة ضغط على دواس البنزين فانطلقت سيارته مثل شبح فُكَّ من قيوده .
· من أكون ؟
استمرت الأمطار تراودنا، والشمس خفية متوارية وراء حجاب رمادي. أما السحابات القابعة فوقنا،فإنها تتهادى في لامبالاة .. تسمح لنا من حين لآخر بفجوة نرى من خلالها السماء…صفحة للناس الطيبين .يكتبون عليها مآثرهم وأحلامهم.
أما أنا، فقد كنتُ في اليوم الثاني هادئا مثل الرقة، المدينة الصغيرة القابعة على الضفة اليسرى لنهر الفرات، استفيقُ صباحا للتجول فيها في وقت محدود، قبل أن أعود ونفسي قد طابت بذلك الهدوء الذي يطبعُها وتلك الروح البسيطة عند السكان المقيمين أو القادمين من المزارع المحيطة.
لماذا حينما تهطل الأمطار، يُعاودنا الإحساس بالحنين إلى جدنا آدم ،كأننا أتربة حية من صلصال رباني نفرحُ بالمطر الذي يروي أحاسيسنا.
***
هل أنا رحالة أم كاتب؟ مؤرخ أم سفير لممالكي، أبحث عن ساحات أخرى للخيال، وهذه المرة في أرض سوريا التي نحب تسميتها بالشام كلا وليست دمشق فقط؟
ما حدث يعود إلى آلاف السنوات الحية في جيناتي .. حينما قررتُ الرحيل لوحدي ، وخمَّنتُ أن القدر سيكون باذخا معي ولن أعود من هناك أبدا ..فأمامي رقعة أبذر فيها خيالاتي وسط مساحة زمنية تُقدرُ بثمانية آلاف سنة قبل ميلاد السيد المسيح.
منذ ذلك التاريخ السحيق وجدتُني ،هناك، مُحاربا ضمن جيوش مملكة أكاد، جنوب ما بين النهرين، رفقة قائدها "سرجون أكاد" أدافع عن مدينتيْ "إبلا وماري" السوريتين .وكان ذلك قبل ميلاد السيد المسيح بثلاث وعشرين عاما فقط.
واجهنا الغزو الذي دمر مدينتين وُجدتا منذ الألف الرابعة قبل الميلاد وعُرفتا بلغتهما السامية المتصلة بالأكادية القديمة والكتابة المسمارية.
شاركتُ إلى جانب القبائل و"جندبو العربي" - كي أفوز بالسبايا الأشوريات في حرب حاسمة دفاعا عن دمشق- فانتصرنا على شملناصر الثالث ؛لكن الذي سيأتي كان قاسيا حينما مات الإسكندر الأكبر ويدخل ورثته في حروب لم تنته إلا بفوز سلوقس بسوريا مدعوما من بطليموس، فصارت البلاد السورية مركزا وجزءا من امبراطورية تمتد حتى الهند.
عدتُ إلى مدينتي "ماري" بحثا في حواشيها الأليفة عن مبيت دائم ،وكأنني كنتُ أعلم بما سيأتي من حروب قاتلة لا منتهية في ظل الدولة السلوقية، فعدتُ إلى ساحاتي الساخنة وسط جماعات من الثوار ضد انطيوخس وسلالاته وديمتيريوس.
سبعة قرون بين الرومان والبارتيين والفرس، تبددت فيها كل الخيالات حتى أني نظرتُ إلى كفي لأرى دمائي المختلطة بآثار السومريين والأكاديين والأموريين والبابليين، والآراميين والأشوريين ثم اليونان والرومان قبيل مجيء السيد المسيح ..أراها فأتأمل من أكون؟
· قرب النهر
بعد انتهاء جلسة مساء اليوم الثالث في الساعة العاشرة ليلا، عُدنا جميعا إلى الطابق الخامس لتناول العشاء، حيث مكثنا إلى غاية الساعة الثانية بعد منتصف الليل.لحظتها غفوتُ لثوان معدودات في معراج روحاني وأنا جالس وسط رُفقة من أصدقاء هم في مراتب أولياء الله الصالحين، فرأيتُ نفسي واقفا في أرض أشبه بالجنة. انسحبتُ إلى الوراء لأرى شيئا ينهض من آثار خطواتي. أراني أم أرى شخصا اسمه " مازغ" المولع بالغزوات يركب فرسه وهو ممتلئ بالطموح والمغامرة..خرج من الشاوية قاصدا بلاد الشام، وحيدا، باحثا عن تحرير أحلامه المعتقلة، لدى أخواله وأعمامه.
رأيتُني جئتُ من بلاد الأمازيغ، أرض الأحرار، على فرس إلى بلاد الشام محاربا أبحث عن طريق للعبور إلى نفسي، وحينما وصلتُ صباحا، جلستُ قرب النهر أنتظر كل أقداري المشتتة في جلود أجدادي. أشم فيها روائحهم العطرة والشجاعة.
· النص النائم(2)
(الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل) أشعرُ بحماس كبير كلما فكرتُ في شخصية "ولاء الطيب" ،فأنا أحبه وإلا ما كنتُ مأخوذا بالكتابة عنه، خصوصا،خلال سفري خارج الوطن ..هل الحكمة في تلك المسافة التي تُبعدني عنه وعن حياته التي يتمتع بها في الجبل بشخصيتين ، واحدة وهو وسط حاشية الحاكم في القمة ، وأخرى في السفح مع عامة الشعب . شخصي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ